محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "د" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه، ينظم العلاقة بين الوصى والقاصر في التصرفات المالية والعينية العقارية الأصلية أو التبعية أو نقله أو تغييره أو زواله، ويحذر من التعاملات مع الوصى المباشر في البيع والشراء حتى لا تبطل التعاملات، قالت فيه:
1- حظر القانون على الوصي مباشرة تصرفات معينة إلا بإذن المحكمة من بينها جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية أو التبعية أو نقله أو تغييره أو زواله.
2- وكذلك جميع التصرفات المقررة لحق من هذه الحقوق.
3- فإنه ينبني على ذلك أن الوصي إذا باشر تصرفًا من هذه التصرفات دون إذن من المحكمة يكون متجاوزًا حدود نيابته ويفقد بالتالي في إبرامه لهذا التصرف صفة النيابة فلا تنصرف آثاره إلى القاصر، ويكون له بعد بلوغه سن الرشد التمسك ببطلانه .
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 16976 لسنة 90 قضائية، برئاسة المستشار محمد عبد الراضي عياد الشيمي، وعضوية المستشارين ناصر السعيد مشالي، وعمر الفاروق عبد المنعم منصور، والدكتور أحمد نبيل طبوشة، وعدلي إسماعيل فؤاد، وبحضور كل من رئيس النيابة، محمد عادل خلف، وأمانة سر إبراهيم محمد عبد المجيد.
الوقائع.. نزاع قضائى في أملاك قُصَّر
الواقعات - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق تتحصل في أن الطاعنين أقاموا الدعوى التي آل قيدها لرقم 759 لسنة 2017 مدني كلي قنا على المطعون ضدهم عدا الأخيرين، بطلب الحكم بإلزامهم بتسليمهم الأطيان المبينة الحدود والمعالم بصحفية الدعوى مع إلزامهم بأداء الريع عن سنوات الغصب في الفترة من 2003 وحتى تاريخ إقامة الدعوى، وقالوا بيانًا لدعواهم: أنهم يمتلكون أطيان التداعي بالميراث الشرعي عن المرحومة / عايشة محمود علي وقد اختصوا بها بموجب شرط التقسيم المؤرخ 15 أبريل 2002، وإذ قام المطعون ضدهم عدا الأخيرين بغصبها، فأقاموا الدعوى.
محكمة أول درجة تقضى بتسليم الأرض وبأداء الريع
وفى تلك الأثناء - طلب الطاعن الأول ترك الخصومة في الدعوى، والمحكمة ندبت خبيرا وبعد أن أودع تقريره، أدخل المطعون ضده السادس خصمًا في الدعوى، وحكمت المحكمة بإلزام المطعون ضدهم عدا الأخيرين بتسليم أرض التداعي وبأداء الريع الذي قدرته ورفض طلب ترك الخصومة من الطاعن الأول.
محكمة الاستئناف تلغى الحكم وترفض الدعوى
وتم استئناف الحكم أمام محكمة ثانى درجة لإلغاء، استأنفه المطعون ضدهم عدا الأخيرين بالاستئناف رقم 369 لسنة 38 ق لدى محكمة استئناف قنا، أحالته المحكمة للتحقيق وبعد أن استمعت لشهود الطرفين قضت بتاريخ 30 أغسطس 2020 بإلغاء الحكم المستأنف، وبرفض الدعوى، ثم طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق النقض، وأودعت النيابة مذكرة، أبدت فيها الرأي بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على هذه المحكمة - في غرفة مشورة - حددت جلسة لنظره، وفيها تم تصحيح شكل الطعن باختصام ورثة المرحومة / جهاد الراعي مهاجر، والتزمت النيابة العامة رأيها.
مذكرة الطعن تستند على عدة أسباب لإلغاء الحكم
ومذكرة الطعن أقيمت على أربعة أسباب، ينعي بها الطاعنون على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، وفي بيان ذلك يقولون : إنَّ المطعون ضده السادس تصرف بالبيع في أرض التداعي التي آلت إليهم بالميراث عن زوجة الأول والدة باقي الطاعنات فيما جاوز نصيبه الشرعي بموجب عقدي البيع الصادرين عنه بصفته الشخصية وليس بصفته وكيلا عنهم وإذ لم يتجاوز سن الطاعنات الثانية والثالثة والرابعة العشرين عامًا وقت تحرير العقد، فلا تتوافر لهن الأهلية لإبرام وكالة للغير في مباشرة التصرفات نيابة عنهن وقت إبرام شقيقهن المطعون ضده السادس - عقدي البيع حتى يسري ذلك التصرف في مواجهتهن مما يبطله.
وتابعت "مذكرة الطعن": وإذ تمسكن بعدم جواز الإثبات بالبيئة وشهادة الشهود لإثبات علمهن بواقعة التصرف ببيع نصيبهن وعدم نفاذ ذلك التصرف في مواجهتهن حال أنه لا يجوز إثبات عكس الثابت بالكتابة إلا بالكتابة في أي تصرف قانوني تزيد قيمته على 1000 جنيه، بيد أن الحكم المطعون فيه خالف هذا النظر ورفض الدفع تأسيسا على أن واقعة العلم والوكالة الضمنية من قبيل الوقائع المادية التي يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات بالمخالفة لنص المادة 60 من قانون الإثبات، وقضى بإلغاء الحكم الابتدائي وبرفض الدعوى على سند من وجود وكالة ضمنية دون أن يبين سنده القانوني في توافر شروط الوكالة ومدى توافرها وإجازتهن لذلك التصرف، بما يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه.
النقض تقرر: الملكية على الشيوع كالملكية المفرزة تشتمل على عناصرها الثلاثة
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: إن هذا النعي غير سديد - بالنسبة للطاعن الأول بشخصه وبصفته أحد وريثي المرحومة جهاد الراعي مهاجر -، ذلك بأن من المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن الملكية على الشيوع كالملكية المفرزة تشتمل على عناصرها الثلاثة الاستعمال والاستغلال والتصرف، وتصرف الشريك في مقدار شائع يزيد على حصته لا ينفذ في حق الشركاء الآخرين فيما يتعلق بالقدر الزائد على حصة الشريك المتصرف ويحق لهم أن يرفعوا دعوى بتثبيت ملكيتهم وعدم نفاذ البيع فيما زاد على حصة الشريك البائع دون انتظار نتيجة القسمة، إلا أنه إذا أقر الشركاء الباقون البيع فيما زاد عن حصة الشريك البائع سرى العقد في حقهم وانقلب صحيحًا فإذا لم يقروه كان التصرف غير نافذ في حقهم.
وبحسب "المحكمة": كما أنه من المقرر على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - إن التعبير عن الإرادة وفقا للمادة 90 من القانون المدني - يكون باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة المتداولة عرفا كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكا في دلالته على حقيقة المقصود، وهذا التعبير الذي يتولد عنه الالتزام هو ما يصدر من الأصيل في التعاقد أو من نائبه ويكون التعبير عن الإرادة ضمنيا إذا كان المظهر الذي اتخذه ليس في ذاته موضوعا للكشف عن الإرادة ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسيره دون أن يفترض وجود هذه الإرادة.
النقض: نيابة الوصي عن القاصر هي نيابة قانونية ولكن في حدود ما رسمه القانون
لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق، أن المطعون ضده السادس حال كونه أحد الملاك على الشيوع للأرض محل عقد البيع موضوع النزاع قد أبرم عقدي بيع كامل الأرض لباقي المطعون ضدهم، وهو ما لا ينفذ فيما زاد على حصته إلا إذا أقره باقي الشركاء فينقلب صحيحًا، وأن الطاعن الأول ومورثته المرحومة جهاد الراعي مهاجر قد وقع كلاهما حال حياة الأخيرة - على عقدي البيع محل التداعي كشاهدين وهو تصرف ليس في ذاته موضوعا للكشف عن إرادتيهما إجازة البيع، إلا أنه لا يمكن تفسيره دون افتراض وجود هذه الإجازة فيسري العقد في حقيهما وينقلب صحيحًا، ولا يعيب الحكم ما أورده من تقريرات قانونية خاطئة بشأن وكالة المطعون ضده السادس عن الطاعن الأول طالما انتهى إلى نتيجة صحيحة إذ لمحكمة النقض أن تصحح تلك التقريرات القانونية الخاطئة دون أن تنقضه ويكون النعي عليه فيما يتعلق بالطاعن الأول بشخصه وصفته على غير أساس متعينا رفضه.
وتضيف "المحكمة": وحيث إن النعي - فيما يتعلق بباقي الطاعنات - سديد، ذلك بأن من المقرر في قضاء هذه المحكمة - أن نيابة الوصي عن القاصر هي نيابة قانونية ينبغي أن يباشرها وفقا لما تقضي به المادة 118 من القانون المدني - في الحدود التي رسمها القانون وكان النص في المادة 39 من المرسوم بقانون رقم 119 لسنة 1952 بشأن الولاية على المال قد حظر على الوصي مباشرة تصرفات معينة إلا بإذن المحكمة من بينها جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية أو التبعية أو نقله أو تغييره أو زواله، وكذلك جميع التصرفات المقررة لحق من هذه الحقوق، فإنه ينبني على ذلك أن الوصي إذا باشر تصرفًا من هذه التصرفات دون إذن من المحكمة يكون متجاوزا حدود نيابته ويفقد بالتالي في إبرامه لهذا التصرف صفة النيابة فلا تنصرف آثاره إلى القاصر، ويكون له بعد بلوغه سن الرشد التمسك ببطلانه.
حدود تصرف "الأب" في أملاك وأموال أبناءه القصر
وتشير "المحكمة": إلى أنه من المقرر - على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - أن النص في المادة 7/1 من المرسوم بقانون رقم 119 لسنة 1952 بأحكام الولاية على المال على أن "لا يجوز للأب أن يتصرف في عقار القاصر أو في محله التجارى أو الأوراق المالية إذا زادت قيمتها على ثلاثمائة جنيه إلا بإذن المحكمة"، والنص في المادة 13 منه على أن: "لا تسري القيود المنصوص عليها في هذا القانون على ما آل للقاصر من مال بطريق التبرع من أبيه، صريحًا كان التبرع أو مستترا ولا يلزم الأب بتقديم حساب عن هذا المال"، يدل على أن المشرع استهدف حماية مال الصغير ووضع قيود على سلطة الولي الأب في التصرف في هذا المال من بينها وجوب استئذان محكمة الأحوال الشخصية قبل التصرف فيما يزيد قيمته على ثلاثمائة جنيه منه، وإلا كان تصرفه غير نافذ في حق الصغير ولم يستثن المشرع من ذلك إلا ما يكون الأب قد تبرع به من مال الصغيره حيث يكون له التصرف فيه بجميع التصرفات القانونية دون قيد على سلطته في هذا الخصوص.
وتؤكد: وكان المقرر - أن إغفال الحكم بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بطلان الحكم إذا كان هذا الدفاع جوهريا ومؤثرا في النتيجة التي انتهت إليها المحكمة إذ يعتبر ذلك الإغفال قصورًا في أسباب الحكم الواقعية بما يقتضى بطلانه، ومؤدى ذلك أنه إذا طرح على المحكمة دفاع كان عليها أن تنظر في أثره في الدعوى فإن كان منتجًا فعليها أن تقدر مدى جديته حتى إذا ما رأته متسما بالجدية مضت إلى فحصه لتقف على أثره في قضائها، فإن هي لم تفعل كان حكمها قاصرًا.
ويجوز للقاصر التمسك ببطلان التصرفات عند بلوغه
لما كان ذلك، وكان البين من الأوراق أن الطاعنات من الثانية حتى الرابعة كن قاصرات في تاريخ إبرام العقدين محل التداعي، وقد تمسكن بنقص أهليتهن أمام محكمة الموضوع وعدم نفاذ عقد بيع أنصابهن من أرض التداعي في حقهن إلا أن الحكم المطعون فيه لم يعن ببحث صفة من له النيابة القانونية عنهن وما إذا كان النائب القانوني لهن سواء أكان وليا أو وصيا - قد أبرم العقدين أو أجازهما بصفته نائب عنهن ومدى حقهن في التمسك بإبطال العقد في الميعاد المقرر بعد اكتمال أهليتهن القانونية، بما يعيبه بالقصور في التسبيب الذي جره إلى الخطأ في تطبيق القانون، ويوجب نقضه جزئيا فيما يتعلق بالطاعنات الثانية والثالثة والرابعة، على أن يكون مع النقض الإحالة.
لذلك:
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه نقضا جزئيًا بالنسبة للطاعنات من الثانية حتى الرابعة، وألزمت المطعون ضدهم المصروفات، ومائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة وأحالت القضية إلى محكمة استئناف قنا.